القائمة الرئيسية

الصفحات

تاريخ سلا .. قدوم المورسكيين ، تأسيس جمهورية سلا ، عصر المجاهد العياشي

مرت مدينة سلا بمجموعة من الصراعات الداخلية في القرن 17 بعد قدوم عناصر جديدة للمدينة وهم المورسكيين. ففي خضم الإستقلال عن السعديين واعلان جمهورية سلا سطع ضوء المجاهد العياشي السلاوي الذي قام بأدوار عديدة للدفاع عن الساحل المغربي من الإحتلال الأجنبي. وبهذا نشبت صراعات بين جمهورية سلا القديمة وسلا الجديدة (الرباط) وبين هؤلاء وقصبة الوداي، ثم بين العياشي و مريسكيي سلا الجديدة. وسنتناول في هذا الموضوع أوضاع سلا في هذه الحقبة وطبيعة الصراع و اسبابه.



 بعد طرد المورسكيين من اسبانبا، أقام الهورناتشيون سنة 1610، القادمون من مدينة هورناتشوس الإسبانية، في الضفة الجنوبية للنهر، وشيدوا قصبة تدعي قصبة سلا". لقد ظلت هذه الجماعة متجانسة.



وتميزت بتمسكها القوي بالإسلام ومحافظتها على اللغة العربية وثروتها التي نجحت في نقلها من إسبانيا، كما اشتهرت باللصوصية. وما أن استوطنوا هذا المكان حتى شجعوا مهاجرين آخرين للقدوم إلى المغرب والاستقرار بجانبهم في المجال المعروف بمدينة الرباط". هكذا نمت ثلاثة تجمعات سكنية متباينة : سلا والقصبة والرباط، وإن كانت الوثائق الأوربية التي تقدم لنا معلومات كثيرة حول هذه الفترة غالبا ما تشير إليها مجتمعة، أو دون تمییز، تحت تسمية سلا.

 





لا نعلم كيف كان التنظيم الداخلي لسلا إبان هذه الفترة. لكن من الواضح أنها لم تكن تعترف بسيادة السلطان السعدي بمراكش، مولاي زيدان. فقد بايع اهل سلا والقبائل المجاورة العياشي للدفاع عن المراعي الواقعة في الشمال ضد الإسبان المحتلين للمهدية وللحد من الفوضى التي خلقتها القبائل داخل المدينة وبضواحيها. وهكذا قطع السلاويون نكر إسم السلطان من خطبة الجمعة واجتمعوا على الولي الصالح العلامة المجاهد محمد العياشي السلاوي "للجهاد في سبيل الله" .

 

وبعد غزوة ناجحة ضد نصاری المهدية  )المعمورة) اكتملت سلطة العياشي. فاستقر بسلا وبنى بها حصنين بالجهة الجنوبية الغربية المقابلة للقصبة، يتصلان بمنزله الكائن داخل الأسوار في الموقع الذي تشغله حاليا "مدرسة أبناء الأعيان" التي بناها الفرنسيون وذلك عبر نفق يتسلى به اليوم أطفال المدرسة.


 

من 1627 إلى 1641 عاشت سلا الجديدة ( أي الرباط) والقصبة في حرب مستمرة تقريبا، سواء ضد بعضهما البعض أو ضد سلا القديمة وكان يتدخل الأشراف ولاسيما الولي الصالح العياشي في هذه الصراعات. لكن النزاع بين الهورناشيين والمورسكيين شكل السبب الأساسي لهذه القلاقل التي لم تهدا سوی مرتين أو ثلاث السنين معدودة.

 


لم يكن باستطاعة المورسكيين الاستقرار بسلا كجماعة: فما حملوه معهم من الأندلس من عادات ولسان وفتور في شعائرهم الدينية وميلهم إلى التعامل مع التجار المسيحيين، كلها عوامل أثارت حنق سكان سلا والقبائل المتحالفة معهم. علاوة على ذلك، كان أهل الأندلس قد رفضوا مساندة العياشي في جهاده ضد الإسبان، بل واتهموا بخيانته هكذا شاور هذا الأخير العلماء في شأنهم فأفتوا بجواز مقاتلتهم تقول الفتوى: "لأنهم حادوا الله ورسوله ورالوا الكفار ونصحوهم ولانهم تصرفوا في مال المسلمين ومنعوهم من الراتب وقطعوا البيع والشراء عن الناس وخصوا به أنفسهم")الاستقصا،ج3،ص130). وعليه، وجه العياشي نيران مدافعه نحو القصبة، في حين قام ابنه رفقة خمسة آلاف جندي بحصار الضفة اليسرى من موقع شالة. وقد استمر الهجوم والحصار مدة سنة ، 1632-1631 ، لكن دون نتيجة.



اربع سنوات بعد ذلك، قام أندلسيو الرباط عقب تغلبهم على الهورناتشيين واستيلائهم على القصبة، بوضع قنطرة من المراكب على النهر لنقل المدفعية والجنود قصد حصار سلا. لكن، تمكن العياشي من الدفاع عن المدينة. فقد حطم القنطرة ورفع الحصار. تم ذلك بمساعدة الأميرال الإنجليزي، راینسبورو الذي كان بالمرسي على متن أسطوله في مهمة افتداء الأسر ى النصاری. تبع ذلك حصار آخر على الرباط. فبمساعدة الأميرال استطاع العياشي قطع المؤن عليها وإحراق حقولها. إثر ذلك فرض السلاويون شروطهم على أهل الأندلس من اجل الهدنة: أولا، إصلاح الخسائر التي أصابت سلا، ثانيا، الحصول على نصف مداخيل الجمرك وغنائم القرصنة، ثالثا، عودة الهورناتشيين إلى القصبة. بعد ذلك بقليل غادر الإنجليز المرسی واستعاد السلطان السعدي سلطته على الرباط. 



لكن ما ان مرت بضعة أشهر حتي هاجم العياشي الأندلسيين من جديد. غير ان هؤلاء استنجدوا الدلايین المتحكمين في منطقة خنيفرة. فكانت الحرب بين الطرفين في إقليم الغرب، انهزمت على إثرها قوات العياشي. عننئذ التجأ هذا الأخير إلى قبيلة الخلط الحليفة لكنها غرته وقتلته. كان ذلك سنة 1641. وبذلك وضع الدلائيون حدا لاستقلالية المدن - الدويلات الثلاث لأبي رقراق وتمكنوا من مراقبة المنطقة. فقد جسدت الهيمنة على المرسی بسبب الدور الذي لعبته كمستودع للتجارة الأوربية في السلاح الناري والبارود، شرطا أساسيا لبسط السيطرة على المغرب.



أثارت هذه العقود الثلاثة من الصراع، من أجل التحكم في هذا الجزء الحيوي من الساحل المغربي، تنافرا بين التركيبات البشرية لضفتي لبي رقراق، تمثل في المواجهة بين سلا والقبائل المجاورة من جهة، والمهاجرين الأندلسيين كخصم خطير ومفاجيء من جهة أخرى. و سرعان ما ستعرف هذه المكونات الثلاث استقرارا عند قيام جمهورية أبي رقراق القائمة على الجهاد البحري.



ابراهيم حركات - المغرب عبر التاريخ, الجزء الثاتي , الطبعة الثالثة , دار الرشاد الحديثة , الدار البيضاء , 1993 .

كينيث براون - موجز تاريخ سلا 1000- 1800، الطبعة الأولى، مشورات مجلة أمل للتاريخ، الدار البيضاء

الاستقصا للمؤرخ الناصري الجزء السادس



 

تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق

إرسال تعليق